لم يكن فوز الديمقراطيين بمجلسي الكونغرس مفاجأة كاملة للأسواق، لكن اتساعه كان كافياً لإطلاق إعادة تسعير سريعة لرهانات بُنيت على قدرة الرئيس دونالد ترمب على مواصلة أجندته الاقتصادية دون عوائق.
تراجعت الأسهم الأميركية الآجلة والدولار في التعاملات المبكرة، بينما ارتفعت سندات الخزانة والذهب. الرهان الأساسي هو أن الكونغرس الجديد سيكثف الرقابة على شركات التكنولوجيا واستثمارات الذكاء الاصطناعي، ويعرقل مزيداً من التخفيضات الضريبية والإنفاق الذي يزيد العجز والاقتراض الحكومي.
ظهر التأثير بوضوح في آسيا، حيث تعرضت أسهم الرقائق لضغوط وسط مخاوف من تشديد الرقابة على مراكز البيانات. لكن المؤشرات قلصت خسائرها، بل محا بعضها التراجع، مع دخول مشترين للاستفادة من انخفاض الأسعار وإدراك المستثمرين أن سلطة الديمقراطيين ليست مطلقة.
فترمب لا يزال يملك حق النقض، ما يحد من قدرة الكونغرس على تغيير سياساته بصورة واسعة. لذلك بدأت الأسواق تفصل بين الرقابة السياسية، التي ستزداد بالتأكيد، وبين التحول الفعلي في الضرائب والإنفاق وتنظيم التكنولوجيا، الذي سيظل أصعب كثيراً.
وكانت الصورة معكوسة في الطاقة النظيفة، حيث قفزت أسهم شركات الطاقة الشمسية والبطاريات وشبكات الكهرباء، على أمل أن يبطئ الديمقراطيون إجراءات ترمب ضد القطاع. أما العملات المشفرة، فتراجعت في البداية خشية تعطل التشريعات الداعمة لها وتشديد التدقيق على شركاتها، قبل أن تمحو بتكوين خسائرها.
في أسواق الدين، رحب المستثمرون باحتمال الجمود السياسي باعتباره قيداً على الإنفاق والاقتراض، فتراجعت عوائد سندات الخزانة. وانخفض الدولار أمام عملات الاقتصادات الكبرى.
أما النفط، فاستمر متراجعاً قرب 104 دولارات لبرميل برنت، مع تقييم الأسواق فرص استئناف جهود السلام بين واشنطن وطهران. وقد يزيد الكونغرس الديمقراطي الضغوط السياسية على ترمب بشأن الحرب، لكنه لا يملك إدارة السياسة العسكرية، ما يبقي احتمال تجدد الضربات ومخاطر هرمز خارج سيطرته المباشرة.
أما الذهب فكان من أبرز المستفيدين، إذ تجاوز أربعة آلاف دولار للأونصة مع تراجع الدولار وانخفاض عوائد سندات الخزانة. ويراهن المستثمرون على أن سيطرة الديمقراطيين ستقيد خطط ترمب للتوسع المالي، فيما أضافت الضبابية بشأن تنظيم التكنولوجيا ومسار الحرب مع إيران دعماً للطلب على المعدن بوصفه ملاذاً آمناً.
وفي المنطقة، ارتفعت أسواق الأسهم الخليجية في مستهل التعاملات بعد تقدم الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس الأميركي. وصعد المؤشر الرئيسي لسوق الأسهم السعودية "تاسي"" بنحو 1%، ليتداول قرب مستوى 10 آلاف نقطة، في حين قفز كل من مؤشر دبي وقطر بأكثر من 2%.
الخلاصة الأولى للأسواق أن فوز الديمقراطيين سيبطئ أجندة ترمب، لكنه لن يقلبها سريعاً. ولهذا لم تتحول الصدمة الانتخابية إلى موجة بيع ممتدة، بل إلى إعادة توزيع للرهانات: بعيداً عن الدولار وبعض أسهم التكنولوجيا، ونحو السندات والذهب والطاقة النظيفة، مع بقاء النفط رهناً بما سيحدث بين واشنطن وطهران.